الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026 16:46
امريكا اليوم

نموذج «العمالة القابلة للتصرف»: أكثر من ثلث العاملين في الولايات المتحدة بلا أفق وظيفي

هيكلة سوق العمل

نموذج «العمالة القابلة للتصرف»: أكثر من ثلث العاملين في الولايات المتحدة بلا أفق وظيفي

يظهر بحث وحوارات ميدانية أن مصطلح “العمالة القابلة للتصرف” لم يعد وصفًا هامشيًا؛ بل يعكس واقعًا يطال نسبة كبيرة من قوة العمل الأمريكية. حسب الدراسة، يُعامل أكثر من واحد من كل ثلاثة موظفين في الولايات المتحدة كـ العمالة القابلة للتصرف، وهو ما يصل تقريبًا إلى 57 مليون عامل من أصل قوة عمل تبلغ 162 مليون.

المصطلح يشمل أنماطًا مختلفة من التشغيل: متعاقدين عبر شركات التوظيف يعملون في مواقع أصحاب العمل، مستقلين يعملون لصالح مؤسسات دون أن يكونوا موظفين، وموظفين «هامشيين» يُشغَّرون بوظائف لا تتيح مسارات ترقية أو أمانًا وظيفيًا. هذه الأنماط ناقشها باحث اقتصادي في كتابه الجديد «Disposable Workers: The Transformation of Employment»، مستندًا إلى مسح تمثيلي ولقاءات ميدانية.


أكثر من واحد من كل ثلاثة موظفين في الولايات المتحدة — ما يقرب من 57 مليون شخص — يُعاملون كعمالة قابلة للتصرف.

تصنيفات العمالة القابلة للتصرف

أظهر المسح الوطني الذي شمل أكثر من 6,000 شخص أُجري أواخر 2022 ومقابلات مع نحو 100 عامل وصاحب عمل وصانع سياسة أن هناك ثلاث فئات رئيسية للعمالة القابلة للتصرف. أولًا، المتعاقدون لدى شركات التوظيف الذين يعملون في مواقع العملاء، مثل موظفي المكاتب المؤقتين وعمال التنظيف وحراس الأمن؛ وهم يشكلون نحو 13% من قوة العمل.

ثانيًا، المستقلون الذين يعملون لصالح شركات أو منظمات من دون أن يكونوا موظفين رسميين، كالسائقين العاملين عبر تطبيقات النقل، وعمال توصيل الطعام، ومبرمجي الحاسب، والصحفيين المستقلين؛ وهم يشكلون نحو 5% من قوة العمل وفق المسح.

ثالثًا، العمالة «الهامشية» داخل الشركات — موظفون يتقاضون أجرًا لكن تُصمَّم وظائفهم بعمر افتراضي قصير وبدون آفاق ترقية أو أمان وظيفي. تشكل هذه الفئة نحو 17% من القوى العاملة في المسح.

أمثلة واضحة وتأثيرات على المهن الأكاديمية والقانونية

نماذج الوظائف الهامشية تُرى بوضوح في مهن مثل المحامين العاملين كـ«موظفي كادر» داخل مكاتب المحاماة، الذين يوكل إليهم غالبًا الأعمال الشاقة من دون أن يكونوا ضمن سلّم الترقية إلى الشراكة، وبالتالي يفتقرون إلى أمان وظيفي. ومثال آخر واضح هو المدرسون المساعدون أو المحاضرون غير الحاملين لمنصب دائم في الجامعات: في عام 1970 كان نحو 73% من العاملين في الجامعات على وظائف دائمة أو على السلم المؤهل للتثبيت، بينما انخفضت هذه النسبة إلى 32% في 2021، وبقي الباقون في وضعية محاضرين جزئيين أو أعضاء هيئة تدريس بعقود.

الجزء الزمني والضغوط الاقتصادية

تشير الدراسة إلى أن جزءًا من التحول نحو العمالة القابلة للتصرف يعود إلى دوافع اقتصادية مباشرة لدى أصحاب العمل: توفير تكاليف الأجور والمزايا، والمرونة في تعديل حجم العمالة عبر ارتفاع معدلات الدوران الوظيفي بدلاً من توظيف دائم. توظيف العمال بدوام جزئي يُكلف أصحاب العمل أقل وفي الوقت نفسه يتيح لهم تجنّب توفير مزايا صحية وتكاليف إدارة فصل الموظفين.

تتعزز هذه الديناميكية بآثار سياسات مثل تطبيق أجزاء من قانون Affordable Care Act بعد 2014: يقتضي القانون أن يوفر أصحاب العمل الذين لديهم 50 موظفًا فأكثر تغطية صحية للعاملين الذين يعملون 30 ساعة أو أكثر أسبوعيًا، وإلا يدفعون غرامة. أبحاث قارنت ثلاثة قطاعات منخفضة الأجور (البيع بالتجزئة والفنادق والمطاعم) قبل وبعد تطبيق أحكام القانون وجدت زيادة في عدد العاملين بدوام جزئي بنحو 500,000 بعد التطبيق، ما يشير إلى أن بعض الشركات أدخلت وظائف جزئية لتقليل التزاماتها تجاه التغطية الصحية.

الأجور والرضا الوظيفي والتبعات العامة

كشف المسح أن جميع فئات العمالة القابلة للتصرف — المتعاقدون والمستقلون العاملون لصالح مؤسسات والموظفون الهامشيون — يتقاضون أجورًا أقل من العمال التقليديين. الوظائف الجزئية، بعد احتساب العمر والتعليم والمهنة والصناعة، تدفع أجورًا بالساعة أقل بنحو 20% مقارنة بالمناصب بدوام كامل، ويزيد الفارق إلى نحو 25% عند احتساب المزايا.

كما أن الرضا الوظيفي يختلف باختلاف الفئات: المتعاقدون والموظفون الهامشيون أبلغوا عن مستويات رضى أقل، بينما أظهر بعض المستقلين ارتياحًا أكبر بقدرتهم على اختيار مكان وزمن العمل.

وللمجتمع ككل كلفة أيضًا: دراسات أظهرت زيادة في معدلات العدوى بالمستشفيات عندما يكون عمال النظافة متعاقدين، وارتفاعًا بمعدلات الحوادث الصناعية عند الاعتماد على متعاقدين خارجيين.

أسباب إضافية ومعنويات العمل

إلى جانب الحوافز المالية، ترى الدراسة أن ثمة نظرة تقليصية لقيمة مساهمات العمال في مواقع الخط الأمامي. تقرير استشاري عام 2023 ذكر أن 5% من الموظفين يولدون 95% من قيمة المنظمة، وهو ادعاء اعتبره الباحث غير دقيق لكنه يعكس تصوّرًا لدى بعض الشركات يدفعها إلى اعتبار الغالبية عُمالة قابلة للتصرف.

تطرح هذه المعطيات أسئلة حول التوزيع العادل للمخاطر والتكاليف في سوق العمل وأثرها على استقرار الأسر والخدمات العامة وجودتها، وتفتح الباب أمام نقاشات حول سياسات عمل قد تخفف من تبعات هذا التحول على العمال والمجتمع.

المزيد من الأخبار